الجمعة، 6 يونيو 2014

المستقــــــــبل

                المستقــــــــبل

                                                          المهندس عبد الرزاق الحمداني

                                                     
في الأحاجي يقولون عنها , شيء أمامك ولاتراه ... وهذه الكلمة ترادف الأيام القادمة , وهي تجعلك تعيش بها ومعها حلماً دائماً عما سيجري ويقع في القابل من الأيام  ونحن نعلم أن من لا حاضر له لا مستقبل له .. ومن كان حاضره مؤلماً فأن مستقبله مرهون بذات الحاضر الذي يعيشه قد يكون مؤلماً وقد يكون مشرقاً وهذا ما يتمناه الجميع ....
 وكلمة المستقبل أسم مشتق من الفعل استقبل يستقبل فهو مستقبل وتكون اسم فاعل وأما مستقبل فالكلمة تكون هنا اسم مفعول وهكذا يكون تصريف الكلمة لغوياً .
 أما أن كانت هذه الكلمة تعني أسما لمدرسة فهي تعني وجود وحياة وبناية وصفوف وقاعات وساحات وأشياء كثيرة أخرى , تعني أوقاتاً لآلاف من الطلاب الذين درسوا على مقاعدها وتخرجوا منها وغادروها في أزمنة وأوقات مختلفة , أحلاماً ملأت أفكارهم وأوقاتاً شغلتهم وحياة عاشوا فيها ومن خلالها , وأياما وليال كانت قد مرت بهم وهم يعانون ويحاولون من خلال دراستهم التي أمضوها في صفوفها وبين أروقتها . هؤلاء الطلاب القادمين من أحياء ومن مناطق ومدارس متوسطة في المدينة متنوعة ومتفرقة ومختلفة , يشتركون على مقاعدها في رسم أحلامهم .. في قضاء أوقاتهم .. في متابعة وتحضير دروسهم .. في تعلم كل جديد .. في تطوير قابليتهم .. في توسيع مداركهم .. في دخولهم وتعرفهم لعوالم مختلفة من المعرفة والتربية والعلوم ...
بالأمس القريب مررت بالقرب من تلك الإعدادية التي تحمل هذا الاسم المشرق فاعتصرني الألم وتملكني شعور بالحزن والفاجعة الماثلة أمام عيني , هذه المدرسة .. هذه الاعدادية العريقه..هذا الصرح العلمي التربوي العظيم , أصبح ركاماً .. أرضا جرداء ... أحلامي وأحلام أجيال من زملائي سرقت ... تأريخي وتأريخ المئات من زملائي في المسيرة الطلابية ذهبت أدراج الرياح ... تبخرت .. وانتهت , هنا على الجدار الخارجي للقاعة الرئيسية في الإعدادية كانت لوحة الفنان الأستاذ بشيرطه وماتحلمه من عمق المسيرة والحركة الطلابية وتواصلها و حيويتها (والمنشورة صورتها مع هذه الاسطر)...هنا مجمع الإدارة .. وهناك المختبرات العلمية .. وهذا الحانوت .. وفوق هذه جميعاً صفوف المراحل الثلاث الرابع العام والخامس والسادس بفرعيه العلمي والأدبي في طوابقها السامقة الثلاث .....
 كم قضينا فيك من أيام .. وكم كانت لنا فيك من صباحاتنا المشرقة ... مالا يحصى عدداً ولا يدرك أمداً ... ولا يقدر بثمن .. ولا يفوت . جميعها انتهت وتحولت إلى أرض يباب ولم يبق منها إلا السياج البائس الذي يدلك على أطرافها وعلى من كانت تعج به هذه البقعة من الأرض بحيوية ممن كان فيها وممن هوفي داخلها .
 في استذكاري للأساتذة الكرام الذين كانت لوقفاتهم التربوية ولتوجيهاتهم الأبوية ولمسيرتهم التعليمية معناً الشيء الكثير: فمدرسو اللغة الانجليزية مثلاً كان قدوتهم الأستاذ عبد الله العمري وفي درس التربية الدينية كان المرحوم الداعية الأستاذ   عبد الرحمن إسماعيل المرشد الروحي للطلاب وفي التاريخ كان الأستاذ هشام الدباغ يصول ويجول وهو يحدث في تاريخ أوروبا كما كان يصول ويجول في ممرات المدرسة يتابع الطلاب كونه أحد المعاونين مع الأستاذ عبد الجواد الأمين المعاون الإداري كما كان لوقفات الأستاذ محمد طه الشيء الكثير في درس مادة الجغرافية وفي الحديث عن الاقتصاد , وكان المرحوم الأستاذ الفنان عبد الستار الشيخ مدرس مادة التربية الفنية صديق جميع الطلاب وتربطه معهم علاقات هي أكبروأسمى من علاقة الأستاذ بالطالب والصديق بالصديق فكان يلازمنا في المباريات الرياضية مشجعاً ومسانداً ومعاضداً وناقداً وكان مدرس الرياضة الأستاذ مقصود خليل وكلمته المشهورة (ولد) والتي كان يطلقها عند مناداته للطلاب (صورته المرفقه مع فريق المستقبل بكرة القدم للعام 1973في ملعب الادارة المحلية بالموصل ), وكان الزميل قصي حسين مساعدا لمختبر مادة الكيمياء والفيزياء في حين كانت الإدارة منوطة بالأستاذ إسماعيل جمعة خميس وو....
هذا الصرح العلمي التربوي ... رفد الجامعات العراقية .. وكلياتها المختلفة والكليات العسكرية والعراقية والبعثات والزمالات بأجيال ... وأجيال أصبحوا قادة وعلماءً وأعلامًا ودعاة ومفكرين وإعلاميين وأطباء ومهندسين ومحامين وقضاة وفيزيائيين . وكيميائيين ... وكثير غيرها من الاختصاصات العديدة يشار لهم بالبنان .. انتشروا في بقاع الأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها , يملؤهم حب الوطن وغيرتهم عليه .. ويوجههم ماتربوا عليه في مقاعدها وما ترسخ في ضمائرهم وعقولهم من أفكار خلاقة للتطوير والتجديد والإبداع في بناء الوطن في القابل من الأيام , نذكر منهم على سبيل العد لا الحصر الداعية والمربي الأستاذ الشيخ إبراهيم النعمة , والمذيع والإعلامي المعروف فيما بعد سعد البزاز صاحب قناة الشرقية وجريدة الزمان , والذي كان مدرس العربية الأستاذ إدريس مصطفى كثيراً ما يهزر معه في درس العربية ,وكان الزميل الدكتور باسل ذنون استشاري الباطنية العالمي المعروف واحد زملائنا في فريق كرة القدم بالمدرسة بضربته الشوت المشهورة من منتصف الساحة لتدخل هدف الإعدادية الشرقية واعتذر لزملائي ممن لم اذكرهم فجميعهم جدير بالذكر والتقييم في هذه العجالة .....وعذري فيها ... أنها لا تتسع .
وإذا كان قد لحق المغول والتتر العار في التاريخ كونهم دمروا دولاً وحضارات ومدناً ودمروا من ضمن ماد مروه مدارس بغداد العديدة والمنوعة النظامية والمستنصرية وغيرها فأن العار الذي لحق الأمريكان اليوم اكبر على فعلتهم الدنيئة بقصف إعدادية المستقبل بقذائف موجهة بالليزر "" بحجة أنها تحوي وتؤوي قوات عراقية وعراقيين مقاومين خلال الغزو الأمريكي للعراق آذار ونيسان 2003
فريق اعدادية المستقبل بكرة القدم  بمعية الاستاذ مقصود خليل( ملعب الادارة المحلية بالموصل 1973)
الوقوف :خالد وعبدالرزاق ومجيد وعقيل واسامة وعبدالباسط ومهند والاستاذ مقصود خليل
الجلوس من اليميم: هيثم ومؤيد وهشام وحميد وحازم وعامر



مع العلامة الدكتور احمد عبدالستار الجواري وزير التربية السابق وزير الدولة حينها
 والاستاذ يوسف ذنون 9 شباط 1975 بمعرض الخط العربي لمديرية التربية  بالموصل
.
أننا ومن خلال هذه الصفحات .. والأسطر ..نطالب قوة الاحتلال بإعادة أعمار هذه المدرسة بل وبالتعويض عن كل مادمرته آلتهم العسكرية الهمجية ... أننا نطالب بخروج القوات الغازية نهائياً أولا دون قيد أوشرطً .. وبإعادة أعمار العراق ثانياً والتعويض كما حصل في الحربين العالميه الأولى والثانية بمشروع مشابه لمشروع مارشال في إعادة أعمار ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية , فالاحتلال وقوات الغزو التي جاءت عبر البحار وعبر آلاف الكيلومترات هي التي أوصلتنا إلى مانحن فيه من خلال فرض الحصار الجائر علينا من العام (1990) ثم الاحتلال المباشر والذي أنهى ودمرا لبنى التحتية للبلد .. والتي نطالب بإعادة إعمارها , القانون الدولي يقر لنا بذلك , ونحن ندفع تعويضات للكويت وللآخرين من القاصي والداني وكما ادعوا زورا وبهتانا علينا, وأقرها علينا المجتمع الدولي من خلال قرارات فرضتها الأمم المتحدة علينا (والذي لابد من إعادة مناقشتها ثانية) فلماذا لانعوض نحن عن تدمير بلدنا من قبل المجتمع الدولي والأمريكان خاصة , وإذا نكص المجتمع الدولي وهيئاته وتقاعس في ذلك فأن التدمير الذي سيقع على بلدنا سيكون تأثيره قد حل بنا ثلاث مرات الأولى في الحصار والثانية في القصف والتدمير خلال الغزو والثالثة عند ترك البلد يعاني من هذه الآثار المدمرة التي حلت به , صحيح أن المجتمع الدولي لم يعط الأمريكان الحق في احتلال العراق ولم يوافق على ذلك بقرار أممي , لكن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه العراق لايمكن أن تنسى أو أن تهمل , هي مسؤولية إنسانية وهي مسؤولية أخلاقية وهي مسؤولية طالما تحملنا من أوزارها الكثير فلماذا لا نقطف من ثمارها اليوم في هذا الظرف العصيب الذي نمر به , أنه حقنا كشعب ودولة عضو مؤسس للجمعية العامة للأمم المتحدة .

إننا بهذه المعايير ننظر إلى فرصة حقيقة تعيد لعراقنا مافقده من بريق وما يعتصر به قلب كل عراقي غريق .. ننظر إلى أيامنا على أنها ستمر سراعاً بالرغم من مرارتها لكن الأمل يحدونا نحو المستقبل .. المستقبل ... المستقبل المشرق لنا ولأبنائنا ولأجيالنا القادمه.