الجمعة، 13 يونيو 2014

معمل سمنت بادوش القديم .. و.. قصة السمنت في الموصل

معمل سمنت بادوش القديم .. و.. قصة السمنت في الموصلـ 


                                         المهندس عبد الرزاق  الحمداني

لجان الفحص والتعيير  في المعمل

معمل سمنت بادوش القديم خلال عملية الانتاج

مهندسوا الصيانة في المعمل 

 ـ             
ـ              

 يرجع الفضل لتأسيس صناعة السمنت في الموصل,الى أحد أبناء المدينة البررة رجل الخدمات العامة الوجيه والصناعي والتاجر المعروف الحاج مصطفى الصابونجي،حيث تكونت لديه قناعة اقتصادية بجدوى إنتاج السمنت، لتتحول هذه الصناعة فيما بعد الى مفتاح لقطاع الصناعة والعمران في مدينة الموصل خاصة وفي العراق عامة،لقد تم تداول هذه الفكرة مع عدد من زملائه التجار في غرفة تجارة الموصل واتفق الجميع على المشاركة في تأسيس شركة تقوم بإنتاج السمنت في مدينة الموصل (بادوش) عرفت فيما بعد (بشركة سمنت الرافدين المساهمة) وكان رأسمالها حينما تأسست مليون ومائة ألف دينار عراقي، حصلت الشركة على المصادقة على عقد التأسيس العام (1953) بخط إنتاجي متواضع يقوم بإنتاج (300 طن/يوم) ويعمل بالطريقة الرطبة، وهي الطريقة القديمة لإنتاج السمنت، وتم التعاقد مع شركة (polysuis a.g) الألمانية بتنفيذ المشروع، وبدأ العمل بالإنتاج الفعلي شهر تشرين الثاني سنة(1955)، وبدخول الإنتاج يومه الأول تم التعاقد مع نفس الشركة لتوسيع المعمل بإضافة خط مماثل للأول والذي أطلقت عليه الشركة اسم (mofa) وهي أحرف مختصرة للاسم العربي لمعمل الموصل، في حين أطلقت اسم (mover) أي توسيع معمل الموصل على الخط الثاني، واستمرت إدارة المعمل معتمدة على الكادر الألماني لحين استلام المعمل من قبل الكادر العراقي بين عامي(1963-1964) والذي قام بدوره برفع الطاقة الإنتاجية للمعمل الى فوق طاقتها التصميمية .
للفترة خلال الأعوام (1984-ولغاية بداية العام 2002) أوقف معمل سمنت بادوش القديم عن الإنتاج بسبب تقادمه وكذلك لعدم الحاجة لطاقته الإنتاجية المتواضعة، وقد أعيد تشغيله بعد تأهيله محليا مطلع العام (2002) حيث تمت إعادة تأهيل الخط الأول وتم افتتاحه في (11 آذار2003 ) ونم إعادة تأهيل الخط الثاني العام (2005)، اضافة لتشغيل معمل الأكياس الورقية أواخر شهر( تموز سنة2002 ).ـ 
ضم المعمل إضافة للخطين الإنتاجيين (الفرنين)، معمل الأكياس الورقية الذي يقوم بدوره بإنتاج بحدود تقريبية (50000) كيس يوميا) لكنه متوقف في الوقت الحاضر).ـ  
مدير المعمل/رئيس المهندسين الأقدم السيد محمود شيت أحمد كان مديرا لأعمال تأهيل معملي السمنت القديم والأكياس الورقية منذ بداية العمل بتأهيلهما بتأريخ (2 شباط 2002) واستمر بمسيرته مع المعمل، التقيناه في أحد مواقع العمل بالمعمل وحاورناه عن طبيعة العملية الإنتاجية والتسويقية والمعوقات و..و..حدثنا قائلا:ـ 

باشرنا بالتأهيل بداية شهر شباط العام 2002، وبكادر عراقي (100%) إضافة لذلك فان جميع الكادر الفني والهندسي الذي شارك في أعمال وعملية التأهيل كان حديث العهد بالعمل على السمنت بل ومن الطاقات الشابة ومن الخريجين الجدد ومن الذين تم تعيينهم بعد هذا التأريخ، عدا أعمال التوجيه والمشاركة لبعض خبراء السمنت في الشركة، وكان للدعم اللامحدود لمجلس إدارة الشركة متمثلا بالسيد المدير العام(وقتها) الأستاذ علاء الطفيلي ومعاونه الأستاذ حسن محسن عبيد/المدير العام الحالي، مما له الدفع الكبير والمشجع في إكمال تأهيل وتشغيل المعملين المتوقفين منذ العام 1984 وبهذه الكوادر العراقية حديثة العمل على صناعة السمنت، علما بأننا باشرنا بالتأهيل مباشرة دون أية خطة عمل أو برمجة سابقة حيث تم استلام موقع العمل والمباشرة الفورية بأعمال التأهيل والتصليح وإعادة الأجزاء المرفوعة والأنقاض و..و مع العلم كان هناك نقص كبير وواضح ومعروف في المكائن والمعدات والورش والمكتبة الفنية والمخططات والتي بدأنا بعدها بتهيأتها وجلب المنقول منها الى معامل أخرى (معمل سمنت حمام العليل القديم خاصة) وتصنيع غير المتوفر منها محليا وبجهود ذاتية بحته، كما تم إعداد مخططات جديدة من موقع العمل على ضوء الحاجة إليها، كما لا يفوتني أن أذكر ان معمل سمنت بادوش القديم هو أول معمل تم إعادة تشغيله بعد الاحتلال، حيث تم التشغيل شهر حزيران سنة 2003 وبهذا نكون السباقين على كافة معامل القطر في هذا المضمار.ـ                                                                       

كان من أهم أهداف تأهيل وتشغيل المعمل هو استقطاب الأيدي العاملة والقضاء على سوق البطالة، وهذا ماتحقق فعليا حيث تم تشغيل أعداد كبيرة من العاملين على الملاك الدائم والمؤقت والأجور اليومية بالإضافة الى المشاركة في العملية الإنتاجية بإنتاج سمنت عالي الجودة ذو نعومة فائقة معروفة ومرغوبة في السوق المحلية.ـ

وفي حديثه عن معمل الأكياس الورقية تطرق السيد محمود شيت أحمد/مدير المعامل قائلا: المشكلة في العملية الإنتاجية لمعمل الأكياس الورقية هي نوعية وجودة الورق المستخدم، حيث أن الورق المستخدم والذي يتم العمل عليه حاليا قديم وتم جلبه من معمل ورق ميسان وبمواصفات دون الوسط، وهذا أدى الى تقليل الإنتاج وزيادة التلف والهدر والضياع في الأكياس المستخدمة، فلو تسنى لنا مثلا استيراد ورق جيد من مناشئه الأصلية المعروفة، لكان الرقم الإنتاجي ارتفع وأصبح أكبر بكثير من أعداد الأكياس المنتجة حاليا، علما بأننا استخدمنا الصمغ والتحبير من مناشئ محلية ووفقنا للقيام بتطوير الختم الخاص بالشركة على الأكياس وتلوينه بألوان مختلفة (لكل معمل لون معين خاص به).ـ
وعند سؤالنا عن كيفية التجهيز والتسويق للمواطنين :أكد السيد مدير المعمل على أن إدارة المعمل والعاملين فيه يقومون بإنتاج السمنت وليس لإدارة المعمل ولا للعاملين بالمعمل علاقة مباشرة بالتسويق، حيث أن التسويق يتم من دائرة أخرى، ونقوم بالتجهيز للمواطنين ودوائر الدولة الأخرى فقط على ضوء القطوعات المرسلة من قبل قسم التسويق لنا، أي أننا نخضع لخطة تسويقية معدة من قبل الإدارة العامة والتي بدورها تخضع لخطة الوزارة بهذا الصدد.ـ
إن المصاريف التي أنفقت على تأهيل وتشغيل معملنا لا تمثل (10%)  من المبالغ التي كانت ستصرف لو كان التأهيل والتشغيل خارجيا، وهذا فخر كبير للشركة ولنا كوننا وبجهود ذاتية وبمبالغ بسيطة تمكنا واستطعنا من إعادة تأهيل وتشغيل معاملنا (معمل سمنت بادوش القديم ومعمل الأكياس الورقية) وفي ظروف معروفة بصعوبتها.ـ                           
وعند سؤالنا عن تأثير المعمل وإنتاجه من السمنت العالي الجودة على المنطقة والبيئة المحيطة؟ أجاب السيد محمود شيت أحمد/ مدير المعمل قائلا:ـ
من ناحية تأثير معملنا على البيئة والمنطقة المحيطة بنا فان هذا التأثير طفيف جدا ومعدوم بل وانه غير محسوس كون معملنا يعمل بالطريقة الرطبة في انتاج السمنت وهذه الطريقة معروفة بعدم ضررها على البيئة، وأضاف السيد مدير المعمل قائلا: ومن الأمور المستحدثة خلال أعمال التأهيل هي تطوير التشغيل اليدوي أو ألموقعي في أقسام وشعب المعمل الإنتاجية المختلفة إلى تشغيل مسيطر عليه من بعد من خلال غرفة السيطرة المركزية مع وجود أنظمة سيطرة وتحسس موقعيه يتم التعامل معها من بعد.  كما تم تأهيل محطة ضخ الماء الواقعة على نهر دجلة وإكمال نواقصها، كما تم تنفيذ محطة مراجل زيتية خاصة بخطي الإنتاج الأول والثاني (الفرنين) بدلا من المراجل البخارية القديمة تنفيذا مباشرا وبالإمكانيات المحلية المتوفرة، وقمنا بإكمال المنشآت الخدمية التي لم تكن موجودة أو متوفرة سابقا ومنها مطعم متطور ذوجناحين وبقدرة استيعابية بحدود (300 شخص)، وأبنية خدمية تشمل منازع وحمامات ومرافق ومكاتب للأقسام وشعب الصيانة والإنتاج وأبنية في محطة ضخ المياه، ودار ضيافة مع ملعب داخلي ومدرجات على سفح النهر قرب الدور السكنية وشوارع وساحات . وأخيرا يضيف السيد مدير المعمل قائلا: قمنا بالإشراف على تنفيذ محطة توليد كهرباء بطاقة (16) ميكا واط كمرحلة أولى مخصصة لمعمل سمنت بادوش الجديد وسيتم إشراك معمل بادوش التوسيع حال إكمال المرحلة الثانية من العمل، علما بأنه تم تشغيل هذه المحطة وربطها للعمل شهر تشرين الأول سنة 2006.ـ

الجمعة، 6 يونيو 2014

المستقــــــــبل

                المستقــــــــبل

                                                          المهندس عبد الرزاق الحمداني

                                                     
في الأحاجي يقولون عنها , شيء أمامك ولاتراه ... وهذه الكلمة ترادف الأيام القادمة , وهي تجعلك تعيش بها ومعها حلماً دائماً عما سيجري ويقع في القابل من الأيام  ونحن نعلم أن من لا حاضر له لا مستقبل له .. ومن كان حاضره مؤلماً فأن مستقبله مرهون بذات الحاضر الذي يعيشه قد يكون مؤلماً وقد يكون مشرقاً وهذا ما يتمناه الجميع ....
 وكلمة المستقبل أسم مشتق من الفعل استقبل يستقبل فهو مستقبل وتكون اسم فاعل وأما مستقبل فالكلمة تكون هنا اسم مفعول وهكذا يكون تصريف الكلمة لغوياً .
 أما أن كانت هذه الكلمة تعني أسما لمدرسة فهي تعني وجود وحياة وبناية وصفوف وقاعات وساحات وأشياء كثيرة أخرى , تعني أوقاتاً لآلاف من الطلاب الذين درسوا على مقاعدها وتخرجوا منها وغادروها في أزمنة وأوقات مختلفة , أحلاماً ملأت أفكارهم وأوقاتاً شغلتهم وحياة عاشوا فيها ومن خلالها , وأياما وليال كانت قد مرت بهم وهم يعانون ويحاولون من خلال دراستهم التي أمضوها في صفوفها وبين أروقتها . هؤلاء الطلاب القادمين من أحياء ومن مناطق ومدارس متوسطة في المدينة متنوعة ومتفرقة ومختلفة , يشتركون على مقاعدها في رسم أحلامهم .. في قضاء أوقاتهم .. في متابعة وتحضير دروسهم .. في تعلم كل جديد .. في تطوير قابليتهم .. في توسيع مداركهم .. في دخولهم وتعرفهم لعوالم مختلفة من المعرفة والتربية والعلوم ...
بالأمس القريب مررت بالقرب من تلك الإعدادية التي تحمل هذا الاسم المشرق فاعتصرني الألم وتملكني شعور بالحزن والفاجعة الماثلة أمام عيني , هذه المدرسة .. هذه الاعدادية العريقه..هذا الصرح العلمي التربوي العظيم , أصبح ركاماً .. أرضا جرداء ... أحلامي وأحلام أجيال من زملائي سرقت ... تأريخي وتأريخ المئات من زملائي في المسيرة الطلابية ذهبت أدراج الرياح ... تبخرت .. وانتهت , هنا على الجدار الخارجي للقاعة الرئيسية في الإعدادية كانت لوحة الفنان الأستاذ بشيرطه وماتحلمه من عمق المسيرة والحركة الطلابية وتواصلها و حيويتها (والمنشورة صورتها مع هذه الاسطر)...هنا مجمع الإدارة .. وهناك المختبرات العلمية .. وهذا الحانوت .. وفوق هذه جميعاً صفوف المراحل الثلاث الرابع العام والخامس والسادس بفرعيه العلمي والأدبي في طوابقها السامقة الثلاث .....
 كم قضينا فيك من أيام .. وكم كانت لنا فيك من صباحاتنا المشرقة ... مالا يحصى عدداً ولا يدرك أمداً ... ولا يقدر بثمن .. ولا يفوت . جميعها انتهت وتحولت إلى أرض يباب ولم يبق منها إلا السياج البائس الذي يدلك على أطرافها وعلى من كانت تعج به هذه البقعة من الأرض بحيوية ممن كان فيها وممن هوفي داخلها .
 في استذكاري للأساتذة الكرام الذين كانت لوقفاتهم التربوية ولتوجيهاتهم الأبوية ولمسيرتهم التعليمية معناً الشيء الكثير: فمدرسو اللغة الانجليزية مثلاً كان قدوتهم الأستاذ عبد الله العمري وفي درس التربية الدينية كان المرحوم الداعية الأستاذ   عبد الرحمن إسماعيل المرشد الروحي للطلاب وفي التاريخ كان الأستاذ هشام الدباغ يصول ويجول وهو يحدث في تاريخ أوروبا كما كان يصول ويجول في ممرات المدرسة يتابع الطلاب كونه أحد المعاونين مع الأستاذ عبد الجواد الأمين المعاون الإداري كما كان لوقفات الأستاذ محمد طه الشيء الكثير في درس مادة الجغرافية وفي الحديث عن الاقتصاد , وكان المرحوم الأستاذ الفنان عبد الستار الشيخ مدرس مادة التربية الفنية صديق جميع الطلاب وتربطه معهم علاقات هي أكبروأسمى من علاقة الأستاذ بالطالب والصديق بالصديق فكان يلازمنا في المباريات الرياضية مشجعاً ومسانداً ومعاضداً وناقداً وكان مدرس الرياضة الأستاذ مقصود خليل وكلمته المشهورة (ولد) والتي كان يطلقها عند مناداته للطلاب (صورته المرفقه مع فريق المستقبل بكرة القدم للعام 1973في ملعب الادارة المحلية بالموصل ), وكان الزميل قصي حسين مساعدا لمختبر مادة الكيمياء والفيزياء في حين كانت الإدارة منوطة بالأستاذ إسماعيل جمعة خميس وو....
هذا الصرح العلمي التربوي ... رفد الجامعات العراقية .. وكلياتها المختلفة والكليات العسكرية والعراقية والبعثات والزمالات بأجيال ... وأجيال أصبحوا قادة وعلماءً وأعلامًا ودعاة ومفكرين وإعلاميين وأطباء ومهندسين ومحامين وقضاة وفيزيائيين . وكيميائيين ... وكثير غيرها من الاختصاصات العديدة يشار لهم بالبنان .. انتشروا في بقاع الأرض شرقها وغربها شمالها وجنوبها , يملؤهم حب الوطن وغيرتهم عليه .. ويوجههم ماتربوا عليه في مقاعدها وما ترسخ في ضمائرهم وعقولهم من أفكار خلاقة للتطوير والتجديد والإبداع في بناء الوطن في القابل من الأيام , نذكر منهم على سبيل العد لا الحصر الداعية والمربي الأستاذ الشيخ إبراهيم النعمة , والمذيع والإعلامي المعروف فيما بعد سعد البزاز صاحب قناة الشرقية وجريدة الزمان , والذي كان مدرس العربية الأستاذ إدريس مصطفى كثيراً ما يهزر معه في درس العربية ,وكان الزميل الدكتور باسل ذنون استشاري الباطنية العالمي المعروف واحد زملائنا في فريق كرة القدم بالمدرسة بضربته الشوت المشهورة من منتصف الساحة لتدخل هدف الإعدادية الشرقية واعتذر لزملائي ممن لم اذكرهم فجميعهم جدير بالذكر والتقييم في هذه العجالة .....وعذري فيها ... أنها لا تتسع .
وإذا كان قد لحق المغول والتتر العار في التاريخ كونهم دمروا دولاً وحضارات ومدناً ودمروا من ضمن ماد مروه مدارس بغداد العديدة والمنوعة النظامية والمستنصرية وغيرها فأن العار الذي لحق الأمريكان اليوم اكبر على فعلتهم الدنيئة بقصف إعدادية المستقبل بقذائف موجهة بالليزر "" بحجة أنها تحوي وتؤوي قوات عراقية وعراقيين مقاومين خلال الغزو الأمريكي للعراق آذار ونيسان 2003
فريق اعدادية المستقبل بكرة القدم  بمعية الاستاذ مقصود خليل( ملعب الادارة المحلية بالموصل 1973)
الوقوف :خالد وعبدالرزاق ومجيد وعقيل واسامة وعبدالباسط ومهند والاستاذ مقصود خليل
الجلوس من اليميم: هيثم ومؤيد وهشام وحميد وحازم وعامر



مع العلامة الدكتور احمد عبدالستار الجواري وزير التربية السابق وزير الدولة حينها
 والاستاذ يوسف ذنون 9 شباط 1975 بمعرض الخط العربي لمديرية التربية  بالموصل
.
أننا ومن خلال هذه الصفحات .. والأسطر ..نطالب قوة الاحتلال بإعادة أعمار هذه المدرسة بل وبالتعويض عن كل مادمرته آلتهم العسكرية الهمجية ... أننا نطالب بخروج القوات الغازية نهائياً أولا دون قيد أوشرطً .. وبإعادة أعمار العراق ثانياً والتعويض كما حصل في الحربين العالميه الأولى والثانية بمشروع مشابه لمشروع مارشال في إعادة أعمار ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية , فالاحتلال وقوات الغزو التي جاءت عبر البحار وعبر آلاف الكيلومترات هي التي أوصلتنا إلى مانحن فيه من خلال فرض الحصار الجائر علينا من العام (1990) ثم الاحتلال المباشر والذي أنهى ودمرا لبنى التحتية للبلد .. والتي نطالب بإعادة إعمارها , القانون الدولي يقر لنا بذلك , ونحن ندفع تعويضات للكويت وللآخرين من القاصي والداني وكما ادعوا زورا وبهتانا علينا, وأقرها علينا المجتمع الدولي من خلال قرارات فرضتها الأمم المتحدة علينا (والذي لابد من إعادة مناقشتها ثانية) فلماذا لانعوض نحن عن تدمير بلدنا من قبل المجتمع الدولي والأمريكان خاصة , وإذا نكص المجتمع الدولي وهيئاته وتقاعس في ذلك فأن التدمير الذي سيقع على بلدنا سيكون تأثيره قد حل بنا ثلاث مرات الأولى في الحصار والثانية في القصف والتدمير خلال الغزو والثالثة عند ترك البلد يعاني من هذه الآثار المدمرة التي حلت به , صحيح أن المجتمع الدولي لم يعط الأمريكان الحق في احتلال العراق ولم يوافق على ذلك بقرار أممي , لكن مسؤولية المجتمع الدولي تجاه العراق لايمكن أن تنسى أو أن تهمل , هي مسؤولية إنسانية وهي مسؤولية أخلاقية وهي مسؤولية طالما تحملنا من أوزارها الكثير فلماذا لا نقطف من ثمارها اليوم في هذا الظرف العصيب الذي نمر به , أنه حقنا كشعب ودولة عضو مؤسس للجمعية العامة للأمم المتحدة .

إننا بهذه المعايير ننظر إلى فرصة حقيقة تعيد لعراقنا مافقده من بريق وما يعتصر به قلب كل عراقي غريق .. ننظر إلى أيامنا على أنها ستمر سراعاً بالرغم من مرارتها لكن الأمل يحدونا نحو المستقبل .. المستقبل ... المستقبل المشرق لنا ولأبنائنا ولأجيالنا القادمه.



الجمعة، 30 مايو 2014

الخطاط الشــــيخ فـــــــــائق الـــــــــــدبوني


الخطاط الشــــيخ فـــــــــائق الـــــــــــدبوني (1889-1961م) :

                                                                                                المهندس عبد الرزاق الحمداني
فائق صالح عبد القادر يونس الدبوني العبادي (يرحمه الله)  
 , كان عالماً وكاتبا وخطاطا واحد رواد الحركة الفكرية في الموصل
 منتصف القرن العشرين , وممن اتسموا بالخلق الرفيع وصدق العلاقة والوفاء مع أصدقائه ومحبيه .. شجاعا ولا تأخذه في الحق لومة لائم , ذو بلاغة وفصاحة فشب خطيبا بارزا مؤثرا في المصلين .. عرف بالدعوة للإصلاح والتمسك بتعاليم الإسلام ونشر مفاهيمه وقيمه العالية ورغم شيخوخته الدينية تميز بسيدارته وكان يتخذ لباس الأفندية([1]) في أخريات أيامه وعرف بين الناس بـ (فائق أفندي ) , ويسرني أن أقدم في هذا البحث شيئا عن سيرة وحياة وجهاد ومشوار هذا الشيخ الجليل والمربي الفاضل والكاتب الخطاط الذي يعد بحق حلقة وصل بين جيلين من الخطاطين في مدينة الموصل  وليطلع جمهورنا والمهتمين بالثقافة في مدينة الموصل  والنشأ من أبنائنا  من خلال سيرته العطرة على واحدة من سير شيوخنا ومفكرينا وعلمائنا الأعلام وخطاطينا وكتابنا لتكون منارا لهم  ويعم النفع بها ..


والده صالح بن عبد القادر بن يونس الدبوني (1847- 1937م)  كانت ثقافته دينية , دخل المدارس الرسمية وأصبح من موظفي الدولة العثمانية([2]) , عمل بوظيفة مالية في ديوان ولاية الموصل (وآخر ماتقلده من وظائف: مدير واردات) ، كان له مجلس في بيته بمحلة جامع خزام وكان مجلسه يجتذب السياسيين العراقيين الذين كانوا يزورون الموصل  ، 
وهو عميد الأسرة الدبونية التي تنحدر في أصولها من الأسر العربية الصيّادية الرفاعية (السادة العبادة(  حسب ما أشار إليه موقع المجمع العالمي لأنساب العرب الالكتروني على شبكة الانترنت , والدبوني([3]) نسبة إلى دبون ، ودبون كلمة تركية اوغوزية مؤلفة من مقطعين وتعني "النسب الكبير" أو العالي .

 مترجمنا هو ( فائق بن صالح بن عبد القادر بن يونس بن قاسم بن حسن بن يونس بن درويش بن محمد بن الأمير عامر بن شولي بك بن علي الهاشمي الكبير بن محمد بك بن أحمد بن خضر بن يوسف ابن خضر بن بدر الدين بن تاج الدين مبارك بن سيف الدين عثمان بن السّلطان علي الكبير بن يحيى النقيب بن ثابت بن الحازم علي أبو الفوارس بن أحمد الثّاني بن علي أبو الفضائل بن حسن رفاعة بن مهدي المكي الكبير بن محمد أبو القاسم بن حسن القاسم بن الحسين المحدّث بن أحمد الصّالح الأكبر بن موسى الثّاني أبو سبحة بن إبراهيم المرتضى بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام) , كما أنه يطلق على آل الدبوني ويعرفون  بآل درويش , أعقب جدهم السيّد درويش ثلاثة رجال هم :
علي ويونس وجرجيس، والأخير انقرضت ذريته, أما علي ويونس فيمثلهم السيّد ثائر بن السيد هاشم بن السيّد فائق بن السيّد صالح بن عبد القادر بن يونس ,  ولد  مترجمنا في الموصل سنة (1889م) ,ولكون عائلته من العوائل الميسورة في المدينة ، فقد تربى في كنف والده وعاش عيشة هنية, ورعاه والده وواكب تربيته تربية دينية إسلامية ([4]) , وغرس في نفسه حب العلم والاستزادة من الثقافة, وكان في مكتبته أحد عشر كتابا([5]).
 دراسته وطلبه للعلم على شيوخه :
وفي بداية حياته ادخله والده المدرسة الرشدية بالموصل (وهي من المدارس الحكومية الرسمية التي أقامها العثمانيون في الموصل ) ..  فدرس في المدرسة الرشدية ([6]) وبعد إنهاء دراسته فيها ،درس مبادئ علوم الشريعة الإسلامية على الأستاذ الشيخ صالح الجهادي(المعروف بمهنته صالح البربر"الحلاق").
وانصرف  الشيخ الدبوني([7]) إلى الدراسة وتعلم اللغات وأتقن اللغتين التركية والفارسية إضافة إلى العربية, اتقانا كاملا , و أطلع على اللغة الكردية والإنكليزية وشيء من الفرنسية .. وكتب الكثير من المقالات والإشعار في الأدب الفارسي والأدب الصوفي, وأهتم بعلم الأنساب و كانت له مجموعة من القصائد الشعرية لم يتسن له نشرها ويبدو للمتتبع أنها فقدت لاحقا..
ومترجمنا هو من العلماء الأعلام العاملين والموجهين والمرشدين المعروفين في الموصل، العام (1921) اتصل بالشيخ ألرضواني  ودرس عليه علوم الشريعة وأجازه فيها وقد خصه بعلوم كثيرة أستخلفه فيها لتضلعه بالتصوف والطرق الصوفية وكان حجة([8])بموضوع(دلائل الخيرات) وأخذ عنه خلق كثير في هذا العلم ,وله قصة ( مشهورة مع شيخه الرضواني وحادثة سقوط سقف غرفته بالمحاكم بموقعها القديم قبالة جامع النبي شيت(عليه السلام) معروفة ومشهورة) ، ودرس علم الحديث روايته وأصوله على الشيخ احمد الجوادي وأجازه فيها ، والتجويد بقراءة حفص عن عاصم على الشيخ محمد صالح الجوادي([9]) وأجازه فيها (وقد وهم المختار في كتابه تاريخ علماء الموصل ,ص:46 حينما ذكره بقوله(أجيز  في القراءات السبع القرآنية من قبل الشيخ محمد صالح الجوادي ) ،كما درس الخط على  أستاذ الخط المعروف في المكتب الإعدادي احمد محمد طاهر عبدا لله الصائغ والذي أجازه في أنواع الخط العربي, ومع هذا التحقيق نموذج له بخط النسخ([10]) وهو حديث (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس) ونموذج آخر صفحتين ( بخط الرقعة لكتاباته من رباعيات عمر الخيام ) اخترتها من مخطوط للرباعيات كتبه بخط يده بحروف جميلة وبحجم صغير وبديع  ,ونموذج ثالث بيتين من الشعر(كن عن همومك معرضا)والنماذج الثلاثة مكتوبة بقلم عادي وليس قلم خط أو قصبة عريضة وهي تميل لكونها كتابة عادية ونسخا وليست خطا ولم أعثر له على قطعه خطية معتبرة كما هي لوحات الخطاطين المعروفة.

الوظائف التي شغلها:
في سنة 1907م تم توظيفه بدرجة كاتب في محاسبة البلدية ولم يبق بها طويلا فترك الوظيفة ...  ثم عاد بعد ذلك للوظيفة كاتباً في المحاكم المدنية في الموصل ولكونه موظفا جيدا فقد تشجع رؤساؤه على رعايته ليتدرج بسرعة وظيفيا من كاتب ضبط ليصبح رئيس كتاب في محكمة جزاء الموصل ، وفي سنة 1935 رشح نفسه لإشغال وظيفة القضاء الشرعي في محاكم الموصل([11]) لكنه عاد فسعى لإعفائه منها وآثر البقاء في عمله(كرئيس كتاب للمحكمة) الذي أستمر فيه قرابة الأربعين سنة كان فيها مثالا للموظف الأمين والنزيه([12]) والكفء لحين تقاعده العام 1949 .  
مؤلفـاته([13]):
 أبدع الشيخ الدبوني بتأليف عدد غير قليل  من الكتب والموضوعات القيمة ، وبقيت مخطوطة غير منشورة (نأمل من أحفاده نشرها لاحقا لتعم فائدتها) ، نذكر منها :
كتاب يبحث في الصلوات , و كتاب في الدعاء والتهجد,كتاب تمييز الحلال من الحرام وهو كتاب عملي استند فيه على الفتاوى الشرعية المتفق عليها بالكتاب والسنة, و ملخصات للدرس والتدريس في علوم الآلة والمادة نقلا وعقلا,  و الإسلام والحضارات الإنسانية,
مجاميع مختارة لنصوص أدبية مع شروح وتعليقات مفيدة ,  مجموعة لتراجم ودراسة بعض الشخصيات من الصحابة الكرام, مجاميع وعظ وإرشاد ديني, مجموعة لشرح بعض الأحاديث القدسية, تفسير بعض النصوص القرآنية, دراسة في التاريخ الإسلامي, وكتاب الأذكار( سبق له أن تلاه على شيخه الرضواني فنال إعجابه) .
له دراسات أدبية واجتماعية وقرآنية صدرت بجريدة الهدف (الموصلية )  بصورة متفرقة .

تلاميذه في الخط العربي:
درس الشيخ فائق الدبوني عددا وفرا من التلاميذ في علوم الشريعة والخط العربي , ومن أبرز تلاميذه في فن الخط العربي الخطاط المثابر عاشق الورد الميكانيكي والجقماقجي الماهر والمصور صاحب الهوايات المتعددة والمتجددة المثابر(محمد صالح الشيخ علي الطائي الموصلي), والخطاط محمد صالح الذي يعتبر المطور الأول للإعلان والدعاية في العراق ثلاثينيات وأربعينات القرن الماضي في بغداد والذي أجيز بالخط العربي من أستاذه الشيخ فائق الدبوني الذي يعتبر حلقة الوصل الخطية بين الجيل القديم من خطاطي الموصل والجيل الحديث , ولم أقف على هذه الإجازة ولا على تاريخها بالرغم من بحثي وسؤالي للمقربين من ( كاتبها  ومؤ جزها وأولادهما وأحفادهما) كما أنني لم أشاهدها ولا اعرف تأريخها ، إلا أن الأستاذ عبدا لقادر فائق الدبوني ( يرحمه الله ) عند زيارتي له ببيته العام 2006 حدد تاريخها بين الأعوام 46-1950، واخبرني : بان الخطاط محمد صالح كان قد طلب الإجازة من والده بعد حصوله على إجازة الخط من الخطاط محمد طاهر الكردي المكي ، وذلك كي تعينه للتوظف في ديوان الأوقاف بعنوان خطاط وبدون إجازة فانه سيتم تعيينه مساعد خطاط ، وأجابه الشيخ الدبوني على أن يحضر في مجلسه بمحلة جامع خزام يوميا قبل صلاة المغرب لمدة شهرين لإجراء بعض المراجعات والتوجيهات وقد تم لهما ماأرادا ) وتكمن أهمية هذه الإجازة بكونها الامتداد الطبيعي لحركة وسلسلة الخط العربي في الموصل وهي تمثل السلسلة المتواصلة لامتداد هذه الحركة من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر فالقرن العشرين ، وسلسلة الإجازات الخطية التي تنتهي بإجازة الخطاط الشيخ فائق الدبوني لتلميذه محمد صالح الشيخ علي سبقتها إجازة الدبوني من الخطاط احمد الصائغ والذي أجيز هو الآخر من والده الخطاط محمد طاهر الصائغ والذي أجيز بدوره من والده الخطاط عبدا لله الصائغ وهكذا هي سلسلة الخط ترتقي في الموصل من خلال هؤلاء الأعلام .
أولاده: أعقب الشيخ فائق الدبوني خمسة أولاد هم:
سالم فائق الدبوني ( 1910_ 1974)  و حازم فائق صالح الدبوني (1919-1996 ) و عبد القادر فائق صالح الدبوني (1927-2009 ) و هاشم فائق صالح الدبوني (1929-1959 ) و محمد فائق صالح الدبوني (1930_2006) م يرحمهم الله جميعا .


المقاله منشورة بالتفصيل / مجلة موصليات  العدد (  )/ مركزدراسات الموصل /جامعة الموصل


الجمعة، 16 مايو 2014

صــــــــــور خــــــا لـــــدة

صـــــــور خــــــا لـــــدة



المهندس عبد الرزاق الحمداني 








استقبلني استقبالا لم أكن أتوقعه أو احدث نفسي به (حينما كانت تراودني الأفكار والرؤى عن كيفية وطريق وهموم السفر إلى هذه المدينة الحلم للمرة الأولى ) ،عندما ألقيت عليه السلام وأخبرته أنني قادم من العراق وبالتحديد الموصل ..أم الربيعين بدت أسارير وجهه تتهلل ..ولا غرابة في ذلك فالرجل يقدر من يأتيه عبر هذه المسافات أولا ويرى نفسه فيمن يزوره من الخطاطين أو المهتمين بالخط العربي ثانيا في بيئة كانت تفخر وتعتز وتقدم كل من يتعامل مع هذا الحرف اللغز..
حينما ناولته اللوحة التي أخرجتها من حافظة الأوراق التي كانت معي وقلت: له بان الخطاط علي حامد الراوي من الموصل يهديه ارق تحياته و بعث له بهذه اللوحة الخطية ،لم يكن من شيخ الخطاطين الأستاذ الخطاط حامد الآمدي (ت: 1982 ) رحمه الله تعالى إلا أن امسك بالقصبة وراح يكتب تحتها (أحسن علي الأعلى ) ووقعها بتوقيعه (حامد ) بعفوية واضحة  ،وكانت تلك الصورة الأولى ، حدث ذلك منتصف شهر ربيع الأول العام (1398 ) الموافق مطلع شهر شباط عام (1978 )  بمكتبه في (خان رشيد ) احد خانات شارع الباب العالي بمدينة استانبول
لقد رمقها بنظرة ثاقبة متفحصة بعين بدت كأنها عين صقر في تفحصها ،أعجبته حروفها وأعجبه فيها قوة سبكها وتماسكها ،واضحة مقاطعها بسيطة غير معقدة طريقة اتصالها ،هي لوحة مؤلفة من ثلاث كلمات (وأقم الصلاة لذكري ) بسيطة طريقة تجميعها وترتيبها ،لكنها قوية في إنجازها وتآلفها ،فبعد أن أتم كاتبها الخطاط علي حامد الراوي كتابة كلمة (وأقم ) تبعتها كلمة (الصلاة) حيث جاورتها برقة وسلاسة لتتبعها كلمة (لذكري) بالياء الراجعة التي اخترقت الكلمات الثلاث...لترصهما رصا قويا لكنه جميلا وبديعا و ليكون الابتداء والانتهاء في هذا النص الخطي الجميل على وتيرة واحدة .
هي لوحة تأخذ بالألباب وتزيد من عشقك لهذا الحرف المعجزة ،هذا العشق الذي أوصل كاتبها إلى التعامل مع هذا الحرف بقدرات ومواهب متنوعة، وطاقات خلاقة مبدعة ،فهو يجودكتابته عن طريق أنواع الخط العربي المختلفة من  (جلي ثلث وثلث ونسخ وتعليق وديواني ورقعة) كونه احد أساتذة الخط العربي المشهورين والمتقدمين في الموصل والعراق  ،ويجود نطقه عن طريق ترتيل وتجويد القران الكريم في الصلاة وفي التدريس كونه احد الشيوخ القراء الكبار( في القراءات السبع) في المدينة ،ويجود التعبير به بفنون الخطابة على المنابر أيام الجمع في جوامع الموصل المختلفة كونه خطيبا مفوها وعالما في أصول الدين ،ويجود التعبير عنه شعرا كونه شاعرا معتبرا من خلال أبيات شعرية تأسرك في قصيدته الرائعة (ذرى الإبداع )والتي يصف فيها ما يعانيه أهل الخط في مشوارهم الطويل، وتجعلك تعيش معها وبها ومن خلالها ،رحلة طويلة مع الحرف العربي سحره ،محاسنه ،أنواعه ،خيالاته ،أساتذته ،مبدعيه ، وقد اخترت لك منها :


 للخط سحر جميل الـشكل ينطقه                   لا تعذلوني لحب الحرف أمشقه
إن اقبل الصبح أغراني بطـلعته                      وفي المساء يناجـيني فأوثقه
أنواعه بهرت عقلي بروعتــها                       وكيف لا وفريد الحـسن رونقه
كحلت عيني زمانا في محاسنـه                      يكاد يغرقـني فـني وأغرقه
قد هام قوم به دهرا وما انكشفت                    من بحره لرؤى الغواص أعمقه
ملّوا الحياة وما ملت أناملهم                         صوغ الخطوط بسحر عز منطقه
وارخصوا الروح في تزويق صبغته                   بانمل فـذة ظـلت تـنـمقـه
جفت عيون وما جفت محابرهـم                      من المداد الذي للحرف تغدقـه
أقطابه (راقم سامي وحامدهــم                        وهاشم )بعدهم للـخـط يحذقه
حلــيمهم جهبذ شوقيهم فـطن                       عزيزهم متقـن عباس يـنطقه
عند عودتي من تلك السفرة الحلم ،من مدينة الحلم واليقظة ،التاريخ والحضارة ،بما شاهدته فيها من احتفال جماهيري وشعبي وعائلي مهيب في الأزقة ..في الطرق والحارات والبيوت ,بذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم , والتي دعيت إلى إحداها  في دار مفتي استانبول صلاح الدين قايا فعايشت وعشت الذكرى .ومعايشتي لرحلة الزمن مع تصفحي للمخطوطات والمصاحف النادرة لمكتبة جامع نور عثمانية في غرفة أمين مكتبتها ،وبعد خروجي للشوارع الرئيسية وانتباهي منها ،  وكانت تلك صورة أخرى .
بعد وصولي الموصل الحدباء كانت صورة جديدة قد ارتسمت على جبين كاتبها حينما شاهد تقييم الخطاط حامد الامدي (رحمه الله )على لوحته وهو أعلى تقييم في درجات الخط وتعادل في تقييمنا الحالي "درجة الشرف الأولى "وكان ذلك التقدير مقدمة لإجازته له بالخط العربي في جميع أنواع خطوطه فيما بعد وفي اعتباره له بأنه احد تلاميذه المميزين،كما وصفه الخطاط حامد الآمدي(رحمه الله) في فلم الفديو الذي أنتجه مركز الأبحاث للتأريخ والثقافة والفنون  التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي العام 1982،  و كما  ورد كذلك في تحقيق الدكتور محمد حرب (حامد آخر الخطاطين العظام )في مجلة العربي الكويتية العدد (290) الصادر في مدينة الكويت في شهر كانون الثاني العام  ( 1983 ) م.
وظهرت صورة أخرى و قد تكون الأخيرة حينما أهديت هذه اللوحة إلى العلامة الخطاط الباحث اللغوي المحقق الشاعر والعالم "محمد بهجة الأثري " رحمه الله عند إشراكها في احد معارض الخط العربي أواخر ثمانينيات القرن الماضي ببغداد.

وهكذا تنتهي سفرة اللوحة ..القصة .. الرحلة والإبداع..والصور..لكنها تبقى تعيش حلما يوميا دائما في ذاكرة مبدعها وكل من شاهدها.

الجمعة، 9 مايو 2014

خطاطو الموصل المعاصرون .. سيرة ومسيرة

خطاطو الموصل المعاصرون .. سيرة ومسيرة
                                                         بقلم: د. محمد نزار الدباغ
عماد الدين خليل: مهرجان مثير للإعجاب للحرف وهو يتمايد ويتلوى ويعكس رؤية تجريدية تمثل واحدة من أكثر الفنون التشكيلية تألقا وصفاء.


الخط العربي يتموضع في قلب الثقافة الإسلامية
احتوى كتاب "خطاطو الموصل المعاصرون" للمهندس والفنان والخطاط الأستاذ عبدالرزاق الحمداني على إهداءٍ ثم تقديم بقلم المؤرخ الأستاذ الدكتور ذنون الطائي مدير مركز دراسات الموصل، ومنه نقتطف قوله: "لا نغالي حينما نقول بأن مدينة الموصل هي إحدى أشهر الحواضر العربية التي أنجبت الخطاطين المبدعين الذين بزوا أقرانهم في أرجاء المعمورة"، ويضيف "وشهد الخط العربي منذ ستينيات القرن العشرين نهضة فنية هائلة في جماليات الخط بأنواعه المعروفة وتشكيلاته الأخاذة وروعة الخطوط التي ازدانت بها واجهات المساجد والجوامع والمحاريب والمنابر، على أن الاهتمام بذيوع الخط العربي وصل إلى المدارس الابتدائية والثانوية ضمن مفردات مادة اللغة العربية وبكراسات للخط العربي المقررة من وزارة المعارف ثم التربية".
وأوضح أن هذا "ما أدى إلى صقل العديد من المواهب الفنية وجعل اللغة العربية واقترانها بالخط العربي مادة محببة لدى الناشئة والجيل الجديد".
ومدح الطائي المؤلف قائلا: "وحسناً فعل المهندس عبدالرزاق الحمداني الذي كرس جهده لسنوات طوال في البحث والتتبع لآثار نخبة من رواد الخط العربي المعاصرين في مدينة الموصل، ولأعمالهم الفنية وحرص على تسجيل كل ما يتعلق بمسيرتهم الفنية الطويلة وجمعهم في مؤلف هو بمثابة سفر للخطاطين في مدينة الإبداع والمبدعين والفن والفنانين، فللحمداني كل التقدير على تلك الجهود المضنية التي بذلها وهو ليس غريباً عن جمهرة الخطاطين، فهو من مبدعي هذا اللون الفني الجميل. وهو ما اعطى لهذه الدراسة ثقلاً نوعياً وعلمياً وفنياً في التناول والسرد والعرض متمنين له المزيد من العطاء الفني والعلمي. خدمة لتاريخ العراق العظيم ومدينتنا الموصل الجميلة".
صدر الكتاب عن مركز دراسات الموصل بجامعة الموصل العراقية وتضمن سيرة ومسيرة حياتية وفنية لأكثر من ستين خطاطا موصليا معاصرا.
وقدم له أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية العلامة والمفكر الإسلامي الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل وجاء في تقديمه: "يتموضع الخط العربي في قلب الثقافة الإسلامية ويقدم مشاركة فاعلة في حمايتها والتعبير عن خصوصيتها واغتنائها بالعطاء المبدع. إنها وظيفة مركبة بما أن الخط الذي يحمل الحرف العربي يتمخض لمهمتين إحداها (عملية) تستهدف توصيل الخطاب بين الأطراف المتحاورة والأخرى جمالية تملأ الفراغ بعروضها المدهشة والمتنوعة ما بين الجلي ثلث والثلث والنسخ والتعليق والديواني والرقعة والكوفي... الخ".
ويضيف خليل: "مهرجان مثير للإعجاب للحرف وهو يتمايد ويتلوى ويعكس رؤية تجريدية تمثل واحدة من أكثر الفنون التشكيلية تألقا وصفاء. إن الإسلام وقد حرّم عبادة الأصنام بشكل قاطع وسد الطريق على أية ممارسة فنية تقود إلى حافات الصنمية هذا التحريم ما لبث أن تحول إلى طاقة فنية إبداعية فعالة متساوقة مع التصور الجديد".
ويرى أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية أن هذا المنع الذي احتفظ - كما يقول (مارسيه) في "الفن الإسلامي" - بكل قوته في تزيينات العمارة الدينية ولوازم العبادة وأثر على تطور الفن الإسلامي بأسره.
ويوضح أن "نخبة طيبة من مبدعي الموصل حُماة الحرف العربي والمتفننين فيما منحهم الله سبحانه من قدرة على التشكيل والتنويع، ذلك مايجده القارئ بين يديه.
ويشير خليل إلى أن ميزة الكتاب وخصوصيته التي أرادها له المؤلف أن تراجمه لخطاطي الموصل هذه لم تأخذ نسقا متشابها يكرر نفسه مع كل واحد من هؤلاء, وإنما هو غير وبدل في أسلوب العرض, وأدار كاميرته على جوانب هنا هي غيرها هناك وبهذا منح مُؤلَفه حيوية التركيب ومتعة القراءة في الوقت نفسه وطالما استدعى الخطاطين أنفسهم لكي يتحدثوا بأنفسهم عن تجربتهم الخصبة وعما صنعته أيديهم ويعرض نماذج من هذا الذي أبدعوه".
واختتم تقديمه قائلا: "ولحسن الحظ فان المؤلف نفسه هو واحد من هؤلاء الخطاطين المبدعين الذين يتحدث عنهم ولقد أتاح الفضاء المعرفي الواسع للمؤلف, وامتلاكه ناصية الأداة الأدبية والتعبيرية أن يعرض كتابه هذا بأسلوب مؤثر جميل وبقدرة ملحوظة على التقاط الحلقات الأكثر أهمية لبناء عمله وذلك فضل الله وحده يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم".
وتبعت مقدمة المؤلف أرجوزة شعرية من ست وستين بيتا من الشعر لمؤلف الكتاب في تراجم خطاطي الموصل المعاصرين تبعتها سير الخطاطين المفصلة وحسب تقادمهم الزمني مبتدئاً بالشيخ الراحل فائق الدبوني والراحل محمد صالح الشيخ علي الطائي، مرورا بيوسف ذنون وحازم عزو العلاف وصولا لحسن قاسم حبش والشيخ الراحل علي الراوي ثم سالم عبدالهادي وعبدالباري محمد سلو وعمار عبدالغني ومروان حربي ثم اياد الحسيني وزكريا عبدالقادر وعلي الفخري وخليل إسماعيل وأكرم ذنون وعلي حسان ومحمد عبدالمطلب، ومختتما بالخطاطين محمد سلطان الطائي ومؤمن مصدق عبدالعزيز، وأعقبها ثلاث مقالات عن الخط والخطاطين في الموصل كان المؤلف كتبها ونشرها في أوقات سابقة في مجلات دورية وجاء الكتاب في مجلد واحد من القطع المتوسط وبعدد صفحات بلغ 348 صفحة.
وحمل غلاف الصفحة الداخلية لعنوان الكتاب خط المؤلف لها وقام الفنان التشكيلي حكم الكاتب بتصميم الغلافين الخارجي والداخلي للكتاب موضحا بنماذج خطية وصور للخطاطين الذين فاقت أعدادهم الستين خطاطا.
ويذكر أن المؤلف من مواليد الموصل سنة 1957 وحاصل على البكالوريوس الهندسة الميكانيكية/جامعة الموصل سنة 1979 وهو رئيس مهندسين أقدم منذ العام 2002 ومجاز من شيخ الخطاطين العثمانيين حامد الآمدي سنة 1978 وترأس الهيئة الإدارية لجمعية الخطاطين العراقيين / فرع نينوى (الموصل) بدورتها الخامسة وله أربعة كتب تتحدث عن الخط والخطاطين والخطاطات في الموصل منها كتاب "الموصل وجمهرة خطاطي النسخ أنموذجا" يحتوي على تراجم وسير فاقت في أعدادها المائة والعشرين مبدعا خطاطا وخطاطة من القرن الرابع الهجري ولحد الآن وطبع الكتاب في دار بن الأثير للطباعة والنشر بجامعة الموصل (ويحمل رقم الإيداع بدار الكتب والوثائق ببغداد (1319) لسنة 2011).
وللمؤلف العديد من البحوث الفنية والخطية والتراثية في الصحف والمجلات العراقية وهو باحث علمي وتراثي وحاليا عضو الهيئة الاستشارية لمجلة "الموصل التراثية" التي تصدر عن دار المازن للطباعة.